الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

127

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي ، ولم يؤثر أن أحدا تزوج زانية فيما بين نزول هذه الآية ونزول ناسخها ، ولا أنه فسخ نكاح مسلم امرأة زانية . ومقتضى التحريم الفساد وهو يقتضي الفسخ . وقال الخطابي : هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ . ومنهم من رأى حكمها مستمرا . ونسب الفخر القول باستمرار حكم التحريم إلى أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة رضي اللّه عنهم ونسبه غيره إلى التابعين ولم يأخذ به فقهاء الأمصار من بعد . [ 4 ، 5 ] [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) كان فاشيا في الجاهلية رمي بعضهم بعضا بالزنى إذا رأوا بين النساء والرجال تعارفا أو محادثة . وكان فاشيا فيهم الطعن في الأنساب بهتانا إذا رأوا قلة شبه بين الأب والابن ، فكان مما يقترن بحكم حد الزنى أن يذيل بحكم الذين يرمون المحصنات بالزنى إذا كانوا غير أزواجهن وهو حد القذف . وقد تقدم وجه الاقتران بالفاء في قوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [ النور : 2 ] الآية . والرمي حقيقته : قذف شيء من اليد . وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى شخص . وتقدم في قوله تعالى : ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً في سورة النساء [ 112 ] . وحذف المرمي به في هذه الآية لظهور المقصود بقرينة السياق وذكر المحصنات . والمحصنات : هن المتزوجات من الحرائر . والإحصان : الدخول بزوج بعقد نكاح . والمحصن : اسم مفعول من أحصن الشيء إذا منعه من الإضاعة واستيلاء الغير عليه ، فالزوج يحصن امرأته ، أي يمنعها من الإهمال واعتداء الرجال . وهذا كتسمية الأبكار مخدّرات ومقصورات ، وتقدم في سورة النساء . ولا يطلق وصف الْمُحْصَناتِ إلا على الحرائر المتزوجات دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف الناس قبل الإسلام . وحذف متعلق الشهادة لظهور أنهم شهداء على إثبات ما رمى به القاذف ، أي إثبات وقوع الزنى بحقيقته المعتد بها شرعا ، ومن البيّن أن الشهداء الأربعة هم غير القاذف لأن معنى يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ لا يتحقق فيما إذا كان القاذف من جملة الشهداء . والجلد